ابن ملقن
195
طبقات الأولياء
ولما ورد العراق ، جاء الجنيد ، فرأى أصحابه وقوفا على رأسه ، يأتمرون بأمره ، لا يخطئ أحدهم بصره عنه ، فقال له الجنيد : يا سيدي ! . لقد أدبت أصحابك أدب السلاطين ! . فقال : يا أبا القاسم ! . إنما حسن آداب الظاهر عنوان حسن آداب الباطن . وقال الجنيد : مكث عندي أبو حفص سنة ، مع ثمانية أنفس . فكنت كل يوم أقدم لهم طعاما جديدا ، وطيبا جديدا ، وذكر أشياء من النبات وغيرها . فلما أراد أن يمر كسوته ، وكسوت أصحابه أجمع . فلما أراد أن يفارقني قال : لو جئت إلى نيسابور علمناك الفتوة والسخاء ! . ثم قال : هذا الذي عملت كان تكلفا ! . إذا جاءك الفقراء فكن معهم بلا تكلف ، فإذا جعت جاعوا ، وإذا شبعت شبعوا حتى يكون مقامهم وخروجهم عندك شيئا واحدا . وقال أبو عثمان : كنا مع أستاذنا أبى حفص خارج نيسابور ، فتكلم علينا وطابت نفوسنا ؛ فإذا بأيل قد نزل من الجبل ، وبرك بين يدي الشيخ ، فأبكاه ذلك بكاء شديدا ، وذهب الأيل . فلما سكن الشيخ ، قلنا له : ما الذي أزعجك ؟ ، وأيش الخبر ؟ . قال : لما رأيت اجتماعكم حولى ، وقد طابت نفوسكم ، وقع في نفسي : لو أن لي شاة ذبحتها لكم ، ودعوتكم عليها ! . فما استقر هذا الخاطر في نفسي حتى جاء الأيل ، وبرك بين يدي ، وقال لي بلسان الإشارة : تحكم في بما شئت ! . فخيل إلى أنى مثل فرعون ، الذي سأل اللّه أن يجرى له النيل ، فأجراه له مع حافر فرسه ؛ فقلت : ما يؤمننى أن اللّه يوفقني لكل حظ في الدنيا ، وأبقى في الآخرة فقيرا ، لا شيء لي ! . فهذا الذي أزعجنى . وقال المرتعش : دخلنا مع أبي حفص على مريض نعوده ، ونحن جماعة . فقال للمريض : أتحب أن تبرأ ؟ . قال : نعم ! . فقال لأصحابه : تحملوا عنه ! . فقام المريض ، وخرج معنا ؛ وأصبحنا كلنا أصحاب فرش نعاد .